الإنسان أولا

كيف يتصدر قطاع الصحة أولويات حكومة السعودية؟

الخصخصة تقود استراتيجية الإصلاح
والمشاركة المجتمعية والتوطين فرسا الرهان

منذ بداية العام الماضي، ومع اقتحام فيروس كورونا الكوكب الأرضي، تتساقط المنظومات الصحية في العالم، واحدة تلو الأخرى، ومعها تكشفت نماذج حكم ودولٍ طالما صورت نفسها كمعابد للحرية وحقوق الإنسان، وسرعان ما كشفت الأزمة باطنها الأجوف، وظاهرها البرّاق، وتجارتها بالدعاية والشعارات، وبدت متجردة حتى من ورقة التوت أمام منظومات صحية في دول عربية، على رأسها المنظومة السعودية التي حصدت ثمار استثمار المملكة فيها طيلة العقود الماضية، في صورة تجلى فيها مضمون الشعار الذي رفعته حكومة خادم الحرمين الشريفين.. "الإنسان أولًا".

في المملكة، لا يبدو الاهتمام بالقطاع الصحي استثناءً، أو طارئًا، أو مرتبطًا بجائحة، حيث ظل القطاع الصحي يحظى بالمراتب الأولى في ميزانية الدولة، وهو ما يعكس الأولوية التي تتمتع بها صحة الإنسان في المملكة، وبدا واضحًا في الكلمة التي وجهها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، للمواطنين والمقيمين على أرض السعودية، في مارس 2020، حيث أكد أن المحافظة على صحة الإنسان في طليعة اهتمامات الدولة ومقدمة أولوياتها، مؤكدًا الحرص الشديد على توفير ما يلزم المواطن والمقيم على هذه الأرض الطيبة من دواء وغذاء واحتياجات معيشية.

كما يحظى القطاع الصحي بالأولوية ذاتها في مستقبل المملكة، حيث تقدم رؤية 2030 فرصًا غير مسبوقة لتطويره، وتوجهًا حكيمًا يتيح تقديم خدمات صحية مميزة من خلال نماذج عمل واستثمار متطورة تضمن الاستدامة وتحقق أعلى الكفاءة.

"الصحة"

نصيب الأسد في ميزانية الدولة

2011

الإنفاق على الصحة (مليار ريال) 68,700

إجمالي الميزانية (مليار ريال)
580

نسبة الإنفاق على الصحة لإجمالي الميزانية
12%

2012

الإنفاق على الصحة (مليار ريال) 86,500

إجمالي الميزانية (مليار ريال)
690

نسبة الإنفاق على الصحة لإجمالي الميزانية
13%

من بين القطاعات الرئيسية بالمملكة، يقع قطاع الصحة ضمن أولويات ميزانية الدولة في مختلف السنوات الماضية، حيث ظل القطاع يحتل المرتبة الثانية بعد "التعليم والتدريب" حتى العام 2019، إلى أن تصدر الميزانية تزامنًا مع جائحة كورونا.

على الرغم من الأرقام المتقاربة لنسبة الإنفاق على قطاع الصحة لإجمالي الميزانية، إلا أنه من الملاحظ أن تلك النسبة شهدت قفزة ملحوظة خلال العام 2015، تزامنًا مع بيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي وضع صحة المواطن على رأس أولويات المملكة، وهو العام نفسه الذي شهد إقالة 3 وزراء للصحة بالمملكة على خلفية اتهامات بالتقصير.

ويتم توجيه ميزانية الصحة سنويًا إلى إنشاء وتجهيز مستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية بجميع مناطق المملكة، بينما توجه الزيادات السنوية في قيمة الإنفاق على الصحة بالمملكة إلى تنفيذ مبادرات برنامج تحقيق رؤية المملكة 2030، حيث تم تخصيص 33 مليار ريال لبرامج الرؤية في عام 2018، و47.7 مليار ريال في عام 2019 على سبيل المثال.

ومن الملاحظ أنه في العام 2020، انخفض الإنفاق على قطاع الصحة، عن العام السابق له، وذلك في ظل مستهدفات برنامج الخصخصة الذي يهدف لزيادة دور القطاع الخاص في مجال الصحة، وعلى الرغم من ذلك، ارتفع حجم الإنفاق الفعلي على القطاع ذاته عن المقدر له في عام 2020 بنحو 4.6% لمواجهة تداعيات الجائحة.

بينما زاد الإنفاق مرة أخرى في العام 2021، لسد متطلبات مواجهة فيروس كورونا، حيث بلغت نسبة استحواذ قطاع الصحة 18% من إجمالي إنفاق الموازنة لعام 2021.

وتتكون مهام "قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية" من جانبين، أولهما: الجانب الصحي، ويشمل الخدمات الصحية والإسعافية والتشريعية والأبحاث، والثاني هو الجانب الاجتماعي، الذي يشمل خدمات الضمان والرعاية الاجتماعية والثقافية والرياضية والإعلامية وإدارة برنامج جودة الحياة.

التمريض

نقص لا يلائم الزيادة السكانية

أزمة نقص تواجه القطاع الصحي بالمملكة العربية السعودية منذ سنوات، بسبب انخفاض نسبة التمريض السعودي التي بلغت 22% من القوى العاملة بالقطاع الصحي في عام 2006 من بين 24.5 مليون نسمة (عدد سكان المملكة حينئذ)، بينما وصلت إلى 37% فقط من بين 34.2 نسمة في عام 2019، على الرغم من المبادرات والجهود التي تستهدف تشجيع التحاق الطلاب السعوديين بالتمريض باعتباره العصب الأساسي للقطاع الصحي، حيث يمثل التمريض –بشكلٍ عام- ما يقرب من 50% من إجمالي القوى العاملة به.

وفي عام 2018، تبنت وزارة الصحة مشروع تعزيز جاذبية مهنة التمريض ضمن مبادرات التحول الوطني المرتبطة بالهدف الاستراتيجي لوزارة الصحة، والخاص بزيادة المشاركة المجتمعية بهدف الترغيب في مهنة التمريض، وذلك من خلال مشروع وطني ممنهج يعتمد على إشراك التمريض أنفسهم، والممارسين، وطلاب المدارس والجامعات، وشرائح المجتمع لتعزيز جاذبية مهنة التمريض وتحسين كفاءة منسوبيها.

وكجزء من برنامج التحول الوطني، يعمل مكتب تحقيق الرؤية بوزارة الصحة على معالجة التحديات القائمة فيما يتعلق بقوى العمل في قطاع الرعاية الصحية، والعمل على سد الفجوات المعطلة في سوق العمل، بما سيكون له أثرًا واضحًا على جودة الرعاية وكذلك التكلفة الإجمالية لها.

هذه الجهود توجت بإطلاق "برنامج ولي العهد للتمريض"، من خلال تشكيل لجنة لإعادة دراسة برنامج الابتعاث الداخلي لتخصص التمريض، والتي تعمل على دراسة الاحتياج المتوقع للقوى العاملة التمريضية خلال العشر سنوات القادمة، والتكاليف المطلوبة، ووضع معايير الابتعاث، وخطة التغطية المستقبلية وفق مخرجات الجامعات.

وفي عام 2019، أعلن وزير الصحة الدكتور توفيق الربيعة، عن تخصيص جائزة باسم (جائزة وزير الصحة للتمريض المتميز) تقدم كل عام، دعماً وتحفيزاً لأبناء هذه المهنة.

ووفق دراسة تحليلية أجرتها هيئة التخصصات الصحية بالمملكة عام 2018 حول مستقبل التمريض خلال 10 سنوات، استناداً على واقع الطلاب السعوديين المقيدين في برامج البكالوريوس في كليات التمريض داخل وخارج المملكة، فإنه من المتوقع أن يبلغ عدد الممرضين السعوديين 26,222 ممرضاً وممرضة في عام 2027، في الوقت الذي تحتاج فيه المملكة إلى إضافة 185,722 ممرضاً وممرضة غير سعودي من فئة إخصائي لتحقيق نسبة 1:200 (ممرض إلى عدد من السكان).

وأشارت الدراسة إلى أنه في ظل تلك النتائج وعدم تغير المعطيات الحالية، فإن هناك حاجة إلى زيادة عدد استقطاب إخصائيي تمريض من خارج المملكة بنسبة 5.7% سنوياً، خلال السنوات المقبلة، مع الإبقاء على العدد الحالي من الممرضين غير السعوديين للحفاظ على النسبة المطلوبة إلى عدد السكان.

وفيما يتعلق بالممرضين المتخصصين، تشير الدراسات إلى أن نسبة الممرضين المتخصصين السعوديين، في العام ذاته (2018)، 2.4% من إجمالي الممرضين السعوديين من حملة البكالوريوس، وأنه من واقع عدد المقيدين في برامج الدراسات العليا داخل وخارج المملكة، فإن هذه النسبة من المتوقع أن تصل إلى 13% عام 2022.

ويعود نقص الممرّضين والممرّضات في جميع أنحاء العالم، إلى التناقص في أعداد الطلّاب الرّاغبين في دراسة التّمريض، وطول ساعات الدّوام، وزيادة عبء العمل، ونقص الكليّات بالجامعات، والكثير من الأعمال الورقيّة، وعدم الرّضا الوظيفيّ.

الخصخصة

من أجل الكفاءة

في مايو من عام 2017، كشفت وزارة الصحة السعودية عن توجهها لتخصيص جميع المستشفيات الحكومية، وذلك عبر إنشاء شركة أو شركات تشغيل حكومية لها ملكية المستشفيات الحكومية مع العاملين الحاليين بها، وذلك بهدف تخصيص خدماتها لتحسين الجودة ورفع كفاءة الإنتاج وترشيد التكاليف.

ووفق سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فإن الهدف من خصخصة القطاع الصحي هو رفع كفاءة الخدمات الصحية، وخفض الفساد في هذا القطاع، وتخفيف العبء عن كاهل الدولة وتوجيه الميزانية التي سيتم توفيرها إلى قطاعات أخرى أكثر احتياجًا.

وتعتزم الحكومة تخصيص 295 مستشفى و2259 مركزا صحيا بحلول 2030، حيث تستهدف الرؤية زيادة مشاركة القطاع الخاص من 40% إلى 65%، كما تستهدف الحكومة زيادة مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات الصحية، فيما تستهدف وزارة الصحة الخروج من السوق كمقدم خدمة والاكتفاء بدور المشرع والمراقب للقطاع.

وبشكل عام، تهدف الخصخصة إلى إعادة توزيع الأدوار بين القطاع العام والخاص وانسحاب الدولة تدريجيا من بعض النشاطات الاقتصادية وفسح المجال أمام المبادرات الخاصة عن طريق تشجيع الاستثمار الخاص، بما يخفف الأعباء المالية التي تتحملها ميزانية الدولة، وترشيد الإنفاق وتحسين الخدمات، ورفع الكفاءة، وتشجيع المنافسة، فضلا عن الدور المهم للخصخصة في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية وتفعيل الرقابة ومواكبة التقدم التكنولوجي.

ووفق المركز الوطني للتخصيص، فإن مجالات مشاركة القطاع الخاص تتمحور في المراكز الصحية، وتشغيل المستشفيات والمدن الطبية الجديدة، والأشعة، إضافة إلى العلاج التأهيلي والعناية الممتدة، والعناية المنزلية، والمختبرات والصيدليات والإمداد، فضلا عن تحويل المؤسسة العامة لمستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث إلى شركة غير ربحية تعمل على أسس تجارية تهدف لتطوير خدمات الرعاية الصحية للمرضى، كما تتضمن خطة التحول برنامج حكومي لشراء الخدمات الصحية والضمان الصحي للمواطنين الذي يقوم على مبدأ الدفع مقابل نتائج الخدمات المقدمة للشريحة السكانية المغطاة من قبل الدولة.

المشاركة المجتمعية

وجه آخر للتحول الوطني

أما برنامج المشاركة المجتمعية في وزارة الصحة، فيعد وجهاً آخر من أوجه التحول الوطني، كما يعد الأول من نوعه على مستوى الأجهزة الحكومية، حيث تم تدشينه عام 2017 لينسجم مع التوجهات الحديثة التي ترسم العلاقة بين الجهاز الحكومي والمجتمع في سبيل تحقيق تطلعات رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني.

ووفق رؤية 2030، فإن برنامج المشاركة الاجتماعية يعمل من منطلق أن التنمية الصحية لا يمكن أن تتحقق بالجهود الحكومية فقط، بل لا بد من تضافر الجهود من كل أصحاب العلاقة، للمساهمة في تحقيق تنمية صحية وتلبية الاحتياجات المتنامية والمتنوعة للمجتمع في المجال الصحي، فإضافة إلى الجهد الكبير الذي تبذله الحكومة في هذا المجال فإن المجتمع بكل مكوناته وكياناته قادر على أن يكون مساهما فاعلا ومؤثرا في الرقي بالصحة العامة للمجتمع، إذا ما وجد البيئة المناسبة لذلك.

"تطوعي صحة"

مبادرة تحفيز القطاع غير الربحي

"تطوعي صحة".. هي حملة تعقد في الخامس من ديسمبر من كل عام، تزامنا مع اليوم العالمي للتطوع، وتشمل جميع مناطق المملكة، باعتبارها منصة محفزة وموجهة لتمكين مكونات القطاع غير الربحي من المساهمة الفعالة في مواجهة التحديات الصحية، ويحتوي برنامج المشاركة المجتمعية على عدة مسارات أبرزها: تنظيم وتشجيع العطاء الخيري في المجال الصحي، تطوير منظومة التطوع الصحي للممارسين الصحيين، بناء قدرات الكيانات الصحية الأهلية وغير الربحية، وتشجيع التوسع فيها، وتعزيز المبادرات المجتمعية للأفراد في المجال الصحي.

يشارك في الحملة 20 ألف متطوع ومتطوعة من منسوبي الصحة، ويتم تفعيل 40% من المنشآت الصحية لتصميم أكثر من 2000 مبادرة صحية تطوعية، وتنفيذ 30 ألف ساعة تطوعية، يتم خلالها تسليط الضوء على الأعمال التي تهدف إلى تعزيز وتمكين العمل التطوعي في المجال الصحي داخل المجتمع.

وتماشياً مع رؤية المملكة 2030 فقد تبنت وزارة الصحة تنفيذ الحملة على مستوى جميع منشآتها الصحية، حيث تنفذ المديريات الصحية والمدن الطبية والمستشفيات والمراكز الصحية مبادرات تطوعية في اليوم العالمي للتطوع يشترك فيها قيادات المنشأة والعاملون فيها.

"تطوعي صحة".. مبادرة تحفيز المشاركة المجتمعية

2019 انطلاق الحملة تزامنا مع يوم التطوع العالمي

الواقع بالأرقام

المستشفيات الحكومية

المستشفيات الخاصة

بالنسبة للمستشفيات الحكومية، فإنها شهدت زيادة بمقدار 35 مستشفى فقط ما بين عام 2011 و2019، بينما شهدت المستشفيات الخاصة زيادة مقدارها 34 مستشفى في الفترة ذاتها، وهو ما يعني أن عملية التوسع في المستشفيات تتم بالتوازي بين الجانبين الخاص والحكومي، ولكن على الرغم من ذلك، فإن المستشفيات الخاصة تستقطب عدد أكبر من الأطباء، حيث شهدت تلك الفترة زيادة في عدد الأطباء بالمستشفيات الخاصة بمقدار 16,538، بينما ظل عدد أطباء المستشفيات الحكومية يتراوح بين الزيادة والنقصان إلى أن وصل في عام 2019 إلى العدد ذاته لعام 2011، وهو ما يعني فقدان المستشفيات الحكومية عامل الجذب للأطباء.